القاضي عبد الجبار الهمذاني

269

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : أقول فيه كما يقولون إن العلم إذا وجد في قلبه صار عالما به ، وإذا وجد في قلب غيره لم يجب ذلك فيه . قيل له : إنما صح في العلم ما ذكرته لأن من حقه أن يوجد الحكم للحى ما وجب الحكم للحى الّذي يختص به . وأقوى ما يمكن فيه من الاختصاص أن يحل بعضه . ففارق العلم الموجود في غيره في وجه الّذي أوجب أن يكون عالما . فلذلك فارقه وليس كذلك حال ما ذكرته ، لأن لا يرجع مما يوجد في بعضه إلى الحي حكما ولا للحى به تعلق البتة . فيجب أن لا يفارق حاله بحال ما يحدث في بعض غيره . ثم يقال له : إذا كانت الصحة الحاصلة في بعضه لا توجب كونه ملتذا من حيث لا تعلق لها بالحي ، وإنما تختص المحل ؛ فهلا قلت إن التفريق النافي لها « 1 » لا يوجد كونه ألما ، لأنه لا تعلق له بالحي . وقد علمنا أن للحى منفعة في الصحة لأن أبعاضه تستقيم بها ومعها وتختل عند زوالها . فكما يجب عند وجودها أن يكون سليما من الآفة - لا أنه يحصل ملتذا - فكذلك عند زوالها يجب أن يحدث فيه اختلال بعضه ، لا أنه يصير ألما . ولئن جاز لك أن تقول عند انتفاء الصحة أنه يحصل ألما - لا لأنه أدرك شيئا مع نفور الطبع - فهلا جوزت في الأكل أن يكون ملتذا لمجاورة محل الطعم لأبعاضه / وأن يكون ذلك في حكم الصحة من غير إدراك معنى به يكون ملتذا . واعلم أن هذا القول وإن كنا قد أبطلناه فليس يبلغ بصاحبه الخطأ العظيم ؛ لأنه مع هذا القول يكون مثبتا لما يألم به الإنسان من فعل العبد ومن فعل اللّه تعالى . لكنه يقول فيه إنه التفريق الّذي يبطل الصحة ويجعله كالوجه في كونه

--> ( 1 ) أي للصحة .